الهيثمي
21
موارد الظمآن
وإمعان النظر في هذين الخبرين يوضح أمورا ينبغي التوقف عندها : أولا : إنهما يرسمان صورة لبعض أدعياء العلم ، الذين نما الحسد في نفوسهم ، وترعرع الحقد في قلوبهم ، فتوهموا أن بيدهم أمر توجيه الفكر بين الناس ، ومصادرة كل ما لا يناسب ميولهم وأهواءهم ، سلاحهم في ذلك إثارة العوام من الناس ، والوشاية بهم إلى الخليفة ، يسند ذلك افتراء مرذول ، ويدعمه باطل مخذول . ثانيا : إنهما يحددان جهة الرحلة التي قام بها ابن حبان ، فقد توجه إلى مشرق الخلافة الإسلامية إشفاقا على نفسه من هياج الغوغاء من العوام ، الذين يقول فيهم أبو يوسف كبير القضاة في زمن الخليفة هارون الرشيد : ( لو أن العوام كلهم عبيدي لأعتقتهم ، وتبرأت من ولائهم ) ، ومن المتطفلين على موائد العلم ، الحاقدين ، الذين أرادوا به شرا . ولعله اختار ذلك المكان في أطراف الخلافة حيث تضعف قبضة السلطان ، فلا يناله عقابه ، ولا تطاله سياط عذابه ، حتى إذا ما هدأ الحال ، وتنوسي ما كان ، وشعر بالطمأنينة والأمن ، عاد إلى قلب الخلافة ، وجاب نواحيها المختلفة ، ليتم ما بدأ به ، وليشبع نهمه في طلب الحديث ، ولقي الشيوخ ، والأخذ عنهم ، والإفادة منهم ، ليتسنى له أن يتبوأ مركز الصدارة بين أهل العلم في بلده ، ويكون الإمام المرجوع إليه في هذا العلم الشريف . ثالثا : يوضح لنا النص أن سمرقند كانت من أوائل البلدان التي حط فيها عصا ترحاله ، وفي هذا البلد الطيب اتصل بشيخه أبي حفص عمر بن